الشيخ محمد هادي معرفة

205

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

نعرض أهمّ أسباب الجمود القرائي في العصور المتأخّرة ، والسبب في رواج قراءة واحدة مدى الأجيال ، هي قراءة عاصم بن بهدلة ، برواية حفص بن سليمان . وقبل أن ننتقل إلى هذا الفصل ، ينبغي التكلّم - إجماليّا - عن سبب حصر القراءات في السبع ، في حين أنّ القرّاء الكبار المعروفين أكثر من ذلك ، وربّما كان بعضهم أرفع شأنا وأعظم قدرا وأعلى إسنادا من هؤلاء السبعة الذين حصر ابن مجاهد القراءة المقبولة في قراءاتهم فحسب . تدوين القراءات المشهورة كان المسلمون في العهد الأوّل يقرأون القرآن كما يتلقّونه من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله ومن بعدهم من التابعين ، ممّن حلّ في بلدهم من الأئمّة الكبار . فممّن كان بالمدينة : سعيد بن المسيّب ، وعروة بن الزبير ، وسالم بن عبداللّه العدوي ، ومعاذ بن الحارث ، وعبد الرحمان بن هرمز ، ومحمد بن مسلم بن شهاب ، ومسلم بن جندب ، وزيد بن أسلم . وبمكة : عبيد بن عمير ، وعطاء ، وطاووس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعبداللّه بن أبي مليكة . . . وبالكوفة : علقمة ، والأسود ، ومسروق ، وعبيدة ، وعمرو بن شرحبيل ، والحارث بن قيس ، والربيع بن خثيم ، وعمرو بن ميمون ، وأبو عبد الرحمان السلمي ، وزرّبن حبيش ، وعبيد بن نضيلة ، وأبو زرعة ، وسعيد بن جبير ، وإبراهيم النخعي ، والشعبي . . . وبالبصرة : عامر بن عبد قيس ، وأبو العالية ، وأبو رجاء ، ونصربن عاصم ، ويحيى بن يعمر ، وجابر بن زيد . . . وبالشام : ابن أبي شهاب ، وخليد بن سعد ، صاحب أبي الدرداء . . . هؤلاء وأضرابهم ، كانوا علماء الأُمَّة في البلاد ، ومراجع المسلمين في شتّى أنحاء المعارف الإسلاميّة آنذاك . ولكن من غير ما اختصاص بفنّ أو بثقافة خاصّة من أنحاء الثقافات المعروفة ذلك العهد . ثمّ تجرّد قوم لفنّ القراءة ، والأخذ والتلقّي والإقراء ، سمة اختصاصيّة ، واعتنوا بذلك